أحمد ياسوف

349

دراسات فنيه في القرآن الكريم

يكشف عنه ، ويفصح عن موضع الثقل فيه ، ولكنه جاء في القرآن على العكس ، وانتفى من طبيعته في قوله تعالى : وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ [ القمر : 36 ] » « 1 » . ثم يقول الرافعي مبينا خصوصية التركيب القرآني مفسرا ما غمض عند سابقيه : « فتأمّل هذا التركيب ، وأنعم ثم أنعم على تأمله ، وتذوّق مواقع الحروف ، وأجر حركاتها في حسّ السمع ، وتأمل مواضع القلقة في دال « لقد » وفي الطاء من « بطشتنا » ، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو « وتماروا » مع الفصل بالمدّ ، كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان ، ليكون ثقل الضمة مستخفّا بعد ، ولكون هذه الضمة قد أصابت موضعها ، كما تكون الحموض في الأطعمة ، ثم ردّد نظرك في الراء من « تماروا » فإنها جاءت مساندة لراء « النّذر » ، حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثليها ، فلا تجفّ عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه ، ثم أعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون « أنذركم » وفي ميمها ، وللغنّة التي سبقت الذال في « النذر » « 2 » . فالأمر كما نرى يخرج من إطار المفردة ذاتها ، ليكون ثمة توازن وتكامل مع طبيعة الحركات في المفردات السابقة لها ، وقد أعجب الباحثون بتحليل الرافعي ، ونقلوه كما نقلناه على طوله من غير أن يضيفوا على اقتباسهم إلا الإعجاب « 3 » ، ومنهجه واضح من حيث الكشف عن التلاؤم بين صوتيات الآية ، وهذا يدل على نظرة علمية موضوعية . إننا لا نبخس الرافعي حقّه وجهوده في النظم الموسيقى للقرآن الكريم المتوزعة بين الذاتية والمعيارية ، فنحن ننظر إلى تحليله بإجلال ، ففيه

--> ( 1 ) إعجاز القرآن الرافعي ، ص / 227 ، وتماروا : تجادلوا وكذّبوا . ( 2 ) إعجاز القرآن ، الرافعي ، ص / 228 . ( 3 ) انظر مثلا : القرآن ونصوصه ، د . عدنان زرزور ، ص / 209 .